ISBN: 9789938872095

احكام المواريث بين القانون و الفقه

Sortie le: 06/09/2016
Livre de: عبد المنعم العبيدي
Edition: Maison Du Livre

   إن رهانات الخيار التشريعي في تونس قد اتخذت من زاوية قانون الميراث  ملمحين، الأول قائم على ثنائية المرجعية التي برزت طاغية في إطار الأحكام المتعلقة بأركان الميراث، وهو ما جعل الرؤية الفقهية الإسلامية للميراث كنظام إلزامي يحكم توزيع الأموال بعد الوفاة موجودة بملامحها العامة، ولكن النبش في التفاصيل والجزئيات عبر نظرة عمودية تخترق عديد فروع القانون ذات الصلة بالميراث يبرز في جانب كبير منه عدم تناسق تشريعي مرده اقتباس المشرع الكثير من الحلول القانونية من خارج المنظومة الفكرية الإسلامية دون القدرة على تحقيق الموازنة التشريعية المنشودة نتيجة الاستحالة المنطقية في الجمع بين المتناقضات، والحل يكمن في ضرورة إجراء مراجعة تشريعية شاملة قائمة على تخليص القانون الوضعي من شوائبه اللاإسلامية، لأنه وبدون مغالاة قد بلغ القانون التونسي مرحلة الرشد وآن له أن يَتَرَجَّلَ عن مظاهر التغريب -الفاشلة- التي كانت تعلة للالتحاق بركب الحضارة؟!

أما الملمح الثاني فقد تميز بالاعتماد التشريعي الواضح على الفقه الإسلامي عند صياغة الأحكام المتعلقة بمركز الوارث، وهذا الاعتماد قد انطلق ومنذ البداية على ثوابت معينة قائمة بالأساس على تخليص القانون الوضعي من الرؤية الفقهية الواحدة عبر عدم الالتزام صراحة بمذهب فقهي معيّن والانفتاح على كل المذاهب والآراء في إطار منهجية قائمة على اعتبار مختلف الآراء الفقهية متساوية على مستوى الحجّية، ومن منطق هذه المساواة لا مرجح لرأيّ فقهي على آخر إلا القدرة على التناسب مع العصر وتحقيق المصلحة، ومن هذه الزاوية بالذات اعتمد المشرع على المذهب المالكي الذي كان ممر العبور القانوني نحو الفقه الإسلامي، وفي إطار غياب الإلزام القانوني بهذا المذهب وجد المشرع مرونة كبيرة في الخروج عنه واستلهام الحلول من غيره من المذاهب والآراء الفقهية بل وحتى في استبعاد الآراء الفقهية برمتها كلما اقتضت المصلحة ذلك.

وما يشد الانتباه في هذا التوجه التشريعي الأول هو اقتصاره في عملية التخيير والترجيح على الفقه السني، وهذا الاقتصار- رغم تعدد طرق التعامل- قد جعل النصوص القانونية الإرثية تحافظ إلى حد كبير على وحدتها المفهومية خصوصا وأن أغلب صور الجدل التي طفت على السطح-نتيجة هذا التوجه طبعا- قد تعلقت بمسائل نظرية وشكلية ولم تتعلق بأصل الاستحقاق والتوزيع.

ولكن هذا التوجه قد تغير سنة 1959 عبر انفتاح المشرع على مرجعية جديدة وتحديدا الفقه الشيعي كما تجلى عند الإمامية الإثنا عشرية عبر أسلوب التلفيق التشريعي بين المذاهب الفقهية المختلفة، الذي مثل في الحقيقة محاولة لإعادة صياغة القواعد الفقهية، وهوما ولد بلبلة مفهومية وغيّر قواعد الإرث وجعل نصوص مجلة الأحوال الشخصية تردد صدى جدل فقهيّ في العمق، لذلك تقتضي الموضوعية القول إن أسلوب التلفيق التشريعي من زاوية تأصيلية هو مجرد محاولة لتربيع الدائرة جعلت المشرع يغلّب الغاية على الرؤية المرجعية الواضحة، لوجود مفارقة داخل الباب التاسع من مجلة الأحوال الشخصية، بين ظاهر النصوص الذي يعكس تمسكاً صورياّ بالفقه الإسلامي، وبين حقيقة هذه النصوص التي أفرغت من محتواها وقدمت تصورا جديدا لأحكام الميراث الوضعي بعيدة كل البعد عن الفقه الإسلامي، ولا سبيل لتجاوز هذا الغموض إلا بإقامة مراجعة حقيقية وفعلية أوّلاً للفصل 143 مكرر م أ ش ذاته وثانيا لعلاقته بباقي الأحكام الخاصة للميراث.


75.000 Dt TTC
disponible
Quantités:

   إن رهانات الخيار التشريعي في تونس قد اتخذت من زاوية قانون الميراث  ملمحين، الأول قائم على ثنائية المرجعية التي برزت طاغية في إطار الأحكام المتعلقة بأركان الميراث، وهو ما جعل الرؤية الفقهية الإسلامية للميراث كنظام إلزامي يحكم توزيع الأموال بعد الوفاة موجودة بملامحها العامة، ولكن النبش في التفاصيل والجزئيات عبر نظرة عمودية تخترق عديد فروع القانون ذات الصلة بالميراث يبرز في جانب كبير منه عدم تناسق تشريعي مرده اقتباس المشرع الكثير من الحلول القانونية من خارج المنظومة الفكرية الإسلامية دون القدرة على تحقيق الموازنة التشريعية المنشودة نتيجة الاستحالة المنطقية في الجمع بين المتناقضات، والحل يكمن في ضرورة إجراء مراجعة تشريعية شاملة قائمة على تخليص القانون الوضعي من شوائبه اللاإسلامية، لأنه وبدون مغالاة قد بلغ القانون التونسي مرحلة الرشد وآن له أن يَتَرَجَّلَ عن مظاهر التغريب -الفاشلة- التي كانت تعلة للالتحاق بركب الحضارة؟!

أما الملمح الثاني فقد تميز بالاعتماد التشريعي الواضح على الفقه الإسلامي عند صياغة الأحكام المتعلقة بمركز الوارث، وهذا الاعتماد قد انطلق ومنذ البداية على ثوابت معينة قائمة بالأساس على تخليص القانون الوضعي من الرؤية الفقهية الواحدة عبر عدم الالتزام صراحة بمذهب فقهي معيّن والانفتاح على كل المذاهب والآراء في إطار منهجية قائمة على اعتبار مختلف الآراء الفقهية متساوية على مستوى الحجّية، ومن منطق هذه المساواة لا مرجح لرأيّ فقهي على آخر إلا القدرة على التناسب مع العصر وتحقيق المصلحة، ومن هذه الزاوية بالذات اعتمد المشرع على المذهب المالكي الذي كان ممر العبور القانوني نحو الفقه الإسلامي، وفي إطار غياب الإلزام القانوني بهذا المذهب وجد المشرع مرونة كبيرة في الخروج عنه واستلهام الحلول من غيره من المذاهب والآراء الفقهية بل وحتى في استبعاد الآراء الفقهية برمتها كلما اقتضت المصلحة ذلك.

وما يشد الانتباه في هذا التوجه التشريعي الأول هو اقتصاره في عملية التخيير والترجيح على الفقه السني، وهذا الاقتصار- رغم تعدد طرق التعامل- قد جعل النصوص القانونية الإرثية تحافظ إلى حد كبير على وحدتها المفهومية خصوصا وأن أغلب صور الجدل التي طفت على السطح-نتيجة هذا التوجه طبعا- قد تعلقت بمسائل نظرية وشكلية ولم تتعلق بأصل الاستحقاق والتوزيع.

ولكن هذا التوجه قد تغير سنة 1959 عبر انفتاح المشرع على مرجعية جديدة وتحديدا الفقه الشيعي كما تجلى عند الإمامية الإثنا عشرية عبر أسلوب التلفيق التشريعي بين المذاهب الفقهية المختلفة، الذي مثل في الحقيقة محاولة لإعادة صياغة القواعد الفقهية، وهوما ولد بلبلة مفهومية وغيّر قواعد الإرث وجعل نصوص مجلة الأحوال الشخصية تردد صدى جدل فقهيّ في العمق، لذلك تقتضي الموضوعية القول إن أسلوب التلفيق التشريعي من زاوية تأصيلية هو مجرد محاولة لتربيع الدائرة جعلت المشرع يغلّب الغاية على الرؤية المرجعية الواضحة، لوجود مفارقة داخل الباب التاسع من مجلة الأحوال الشخصية، بين ظاهر النصوص الذي يعكس تمسكاً صورياّ بالفقه الإسلامي، وبين حقيقة هذه النصوص التي أفرغت من محتواها وقدمت تصورا جديدا لأحكام الميراث الوضعي بعيدة كل البعد عن الفقه الإسلامي، ولا سبيل لتجاوز هذا الغموض إلا بإقامة مراجعة حقيقية وفعلية أوّلاً للفصل 143 مكرر م أ ش ذاته وثانيا لعلاقته بباقي الأحكام الخاصة للميراث.